الجمعة، 8 أبريل 2011

النقد الأدبي في زمن التطاول

لا أحد يقبل أن يتطفل على الطب غير أهله، أو أن يتصدر للفتيا سوى المجتهدين من العلماء، و ما يقال عن هذين العلمين، يقال عن غيرهما من العلوم البحتة و الدراسات الإنسانية؛ فتلك تخصصات  تتطلب الأهلية العلمية، و تحصيل الـزاد المعـرفي اللازم لفهمها الفهـم القـادر المؤهل لإبداء الرأي و إصدار الحكــم. و هذا منطق الأشياء الذي لا يحتاج إلى إقامة البرهان على صدقيته، فما يمكن أن ينتج عن التدخل غير المؤهل علميا من نتائج سلبية باد غير خاف.
بيد أننــا نجـد كثيـرا من المثقفين لا يتحـرجون مـن التصـدي للنقـد، و قراءة النص الأدبي، و الحكم عليه، و على صاحبه، بدون إلمامة و لو يسيرة بطبيعة العمل الفني، و أصوله ، و آليات الاشتغال عليه... فعندهم يكفي أن يقرأ المرء الروايـــة، مثــلا، قراءة عابـرة سريعة ليفهم النص و يصدر حكمه النقــدي عليه، و المؤسف أن النقد عند أكثر هؤلاء يتجاوز العمل الفني إلى صاحبه، و من ثم ينجرون إلى الأحكام العامة الفضفاضة التي فرغ منها النقد و تجاوزها منذ أصبح دراسة مستوية لها أصولها و مناهجها.
لا شك أن من شروط نجاح العمل الفني أن يكون مفتوحا، أي قادرا على تقديم نفسه إلى المتلقي، من خلال غلالة الإيحاء الشفافة، و كلما كان العمل أقرب إلى القارئ ازدادت قوته، و ارتفعت قيمته... و بكلمة أخرى: يجب أن يمكن العمل الفني المتلقي ــ دون لجوء إلى المباشرة القادحة ــ من فهم دلالاته، و استيعاب الرسالة المتضمنة بين السطور، و خلف الصور و المشاهد.
لكن شفافية العمل الإبداعي لا تعني أن النص مبتذل إلى الدرجة التي لا يحتاج فهمه فيها إلى إعمال فكر، أو اجتهاد في ملاحقة المعاني، و استكناهها، بكشف غلالة الإيحاء الرقيقة الشفافة التي يسدلها الأديب على نصه. و عملية الكشف هذه لن تتأتى لمن لا حظ له في فن النقد، و لا لمن لا يقرأ في هذا الفن قليلا أو كثيرا.
و ربما لم نكن في حاجة إلى مثل هذا الإيضاح لأنه من المسلمات في حقيقة الأمر، لولا أن رأينا تطفل الكثير من المثقفين و تطاولهم بإصدار أحكام عامة على النص، أو على صاحبه في الغالب، أحكام غير مؤسسة يرفضها النقد و يدينها النقاد.
و الأفظع أنك ترى هؤلاء، بعضهم على الأقل، لا يقرؤون من النص إلا طرفا، و لا تستوقفهم غير كلمة هنا، أو هناك، و هم يتصفحون العمل تصفح من لا رغبة له في القراءة. و بعضهم لا يجد في نفسه اقتناعا بجدوى العمل الفني، و لا يراه سوى ترف فكري، لتزجية الوقت، و تسلية النفس بعد عناء.
و هذا وضع خطير ينبغي الوقوف عنده، و معالجته قبل الاستفحال. و حينما أقــول: " إنه وضع خطير "، يمر أمام بصـري شريــط طويـل طويل من الوقــائـع و الأحداث و المعارك التي شهدها الأدب العربي المعاصر. فالروايات التي منعت بسب قراءة ناقصة أو شاذة فوق أن تحصر، و المحاكم التي عقدت للفن في غير ما بلد عربي، من خلال مؤسسات أو أفراد، لا تقف عند حد، خصوصا تحت يافطة الإلحاد و الكفر، أو يافطة العري و الخلاعة.
و كثير من تلك المحاكمات، ، ثبت بعد إجالة النظر فيها من خلال اللجان العلمية التي تشكلها بعض المؤسسات في الوطن العربي قبل إصدار حكمها على العمل بالإدانة أو التبرئة ، أقول: ثبت أنها محض افتراء، و أنها بعيدة عن المجال القرائي للنص ، و أعني بالمجال القرائي تلك القراءات الممكنة التي  يحتملها النص دون أن تثقله التأويلات الفجة أو الافتراضات البعيدة، و قد تكون هذه القراءات، بقياس بعضها إلى بعض، مختلفة اختلافا بينا، لكنها تؤثث لرؤية فنية تتسم بالغنى، و تفيض بالدلالات التي تؤشر على خصوبة النص الإبداعي.
هذه اليومية لا تحاول أن تجد حلا لهذه المشكلة، و إنما تعنى بإثارتها فحسب، لأن الحل يحتاج إلى تغيير قناعات هؤلاء النقاد الجدد، و هؤلاء لا أحسب أنهم سيقرؤون مثل هذا الكلام، و إن قرؤوه فلن يروا أنفسهم معنيين به، لأنهم بكلمة واحدة " نقاد " لا يحتاجون لأجل إثبات هذه الصفة إلى اعتراف من أحد.
و لكني أشير إلى نقط أرى توجيه الاهتمام إليها أمرا يقتضيه المقام. و ربما كانت محطات على طريق العلاج:
1 / ضرورة تصحيح النظرة إلى الرواية، و القصة، و المسرحية ... و ذلك بإخراجها من صنافة " منتجات الترف الفكري "، و الاعتراف بأهميتها و دورها الوازن في توجيه المجتمعات و تغييرها إن سلبا أو إيجابا.
2 / الاطلاع على كتب النقد، بغية تشكيل ثقافة نقدية لا تنظر إلى العمل الفني لكشف عيوبه، بل لفهمه و تفسيره ، و تجلية وجوه الجمال فيه، و لا تعنى بإصدار الأحكام القيمية على العمل إلا من باب تتويج القراءة، و تحرص على الفصل بين العمل و صاحبه ، و لا تلجأ إلى هذا الربط إلا بغية دراسة ظروف إنتاج النص الخارجية، لمن يجيز مثل هذه الدراسة ؛ أما أن ينعكس حكم القيمة على الكاتب، فهذا ما لا يقبل بحال، لأننا حين نروم الحكم على أديب أو مفكر ــ لو احتجنا إلى مثل هذا الحكم ـــ نحتاج إلى دراسة آثار الكاتب كلها، و لا  يمكن أن نشكل هذا الحكم بالاستناد إلى عمل واحد، فذلك مخالف للمنهج العلمي، بعيد عن روح النقد.
3 / استشعار خطورة الحكم على الأشخاص و الأعمال، من الناحية الشرعية، فالناقد قاض يجب أن يفصل في القضايا بناء على فهم عميق و شامل، لا استنادا إلى معطيات و حيثيات ناقصة، و أي تقصير في تحقيق هذا الفهم يجعله أحد قاضيين في النار. و تزداد هذه الخطورة حين ترى آثارها النفسية و الاجتماعية على الكاتب الذي " جرح " و سجل تحت خانة المقدوح فيه بناء على حكم ضال لشخص لا علاقة له بالنقد، و لا صلة له بالإبداع.
4 / استشعار خطورته على الأمة و تراثها، فالأديب و المفكر و العالم هم صناع حضارتها، و القدح في هذه الرموز بغير وجه حق، ضرب لتراثنا الإنساني الخالد. و لقد حزنت، حينما قرأت لناقدٍ نكرةٍ كلاما في تجريح عباس محمود العقاد، الذي لا ينكر منصف فضله على الأدب، أو مواقفه في الدفاع عن الإسلام ... حزنت كمــا أحزن كلمـــا وقفت على نقد لاذع مقيت غير مؤسس لرمز من هــذه الرموز. و لائحة رموزنا المعتدى عليها طويلة طويلة، و ما الشيخ القرضاوي و الدكتور محمد عمارة ـــ حفظهما الله ـــ أو الشيخان الألباني و الغزالي ـــ رحمهما الله ـــ إلا نماذج لمثل هذا التطاول القبيح على رموز الأمة، و تجسيد لهذا الداء الخبيث.
5 /  استثمار الإمكانات التي يوفرها الأدب عموما ، و الفنون المستحدثة كالرواية و القصة و المسرحية و السيناريو ...، و تفجير طاقاتها الإبداعية، لعلاج قضايانا المعاصرة. و لنا في رسول الله صلى الله عليه و سلم الأسوة الحسنة، فقد وظف الشعر في معارك الإسلام لاقتناعه بجدوى الكلمة و قوة العبارة ؛ و قد صدقت ما ذهب إليه سيدنا رسول الله الوقائعُ المادية الملموسة التي سجلت انتصار الأنصار في حفظ كرامة المسلمين، و صون أعراضهم، و اندحار الشرك و فلوله، حتى أصبح هذا الشاعر أو ذاك، من الكفار، يأتي إلى الرسول مستجيرا شاكيا طالبا أن يكف حسان عن هجوه.
و قـد تكون لي وقفة، بحول الله، في يوميـات أخـرى عنـد وظيفة الفـن ودوره في علاج مشاكل المجتمع المعاصر، و ما قد يثيره الموضوع من قضايـا تحتاج إلى التأمل و النقاش.














ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق