الأحد، 23 مارس 2014

الساعة الجديدة : مبتدأ بلا خبر .




        بقلم : أبي أسامة          
م / م : ابن أبي زرع ، تندرارة.
لا يدخل شهر مارس حتى تزداد إلى انشغالاتنا، انشغالات الزمن الجديد . و لست أحب أن أناقش الساعة الصيفية، لأستصدر أحكاما قيمية تتصل بالجدوى و الأهمية، و تثير من الأسئلة أكثر مما تقترحه من الأجوبة ؛ لكنني أحب أن أقف عند انعكاساتها، على الأداء المدرسي بهذا الإقليم الكريم : إقليم فجيج .
و قبل ذلك، أحب أن أغلق قوسا أعرف أن الإدارة ستفتحه ، فما إن يشر  إلى هذا الموضوع رجالُ التعليم حتى تبادر إلى اتهام نواياهم، و تسجيل القضية في خانة البحث عن المصلحة الفردية، فإذا ما أثرنا معاناة تأقلم التلاميذ معها ، اتهمنا بأننا نستغل شعار المصلحة العامة، لتحقيق مأرب خاص. و لسد هذا القوس أقول : هب أنني أدافع عن هذا الطرح من زاوية المصلحة الخاصة ، لا العامة؛ فأية شريعة تلك ، وضعية ً كانت أو سماوية، تحظر على الفرد أن يفكر في مصلحته، و يسعى إلى تحقيقها ؟ هل يكون تحقيق المصالح الخاصة مرفوضا بإطلاق، أم أنه مقيد بعدم المساس بالصالح العام ؟ ثم ألا ترتبط مصلحة المدرس بمصلحة التلميذ ارتباطا جدليا، أم أن الضغط الذي يعيشه المدرس لا يمكن أن يكون له تجلٍّ على مستوى مصلحة التلميذ ؟ و أخيرا :  أليست رعاية المصالح من الأصول الفقهية التي اعتمدتها المدرسة المالكية، بل أغلب مدارس أهل السنة ؟ أم أن ما يباح للناس جميعا، يحجب عنا نحن رجال التعليم ؟
البحث عن المصلحة حق مشروع لا يمكن لأحد أن يحجبه عن أحد، إلا إذا تنفس هذا الحق على حساب الحق العام، فذلك أمر ترفضه الفطرة السديدة قبل أن تحظره شرائع الأرض و السماء. و مع ذلك أرجو أن تنظر الإدارة إلى القضية بتجرد و موضوعية، و أن ترتفع عن الأحكام المسبقة التي تنحرف بالنقاش دائما إلى الطريق المسدود.
و لتناول القضية أرى أن هناك بعدين يتعين الوقوف عندهما لاستشراف المسألة بشكل سليم، هما : البعد القانوني التنظيمي، و البعد التربوي.
1 / البعد القانوني و التنظيمي :  

أقر المرسوم 2.13.781 الصادر في 21 من ذي القعدة 1434 ( 28 سبتمبر 2013 ) تغيير الساعة القانونية بإضافة ساعة من يوم الأحد الأخير من شهر مارس إلى يوم الأحد الأخير من شهر أكتوبر . و لا أحد له أن يعترض على هذا المرسوم بغير السبل الدستورية المعروفة، و لست أظن أن المدرسة يعنيها أن يتم إلغاء هذا المرسوم .
و قد  عني عدد من المذكرات التنظيمية بتدبير الزمن المدرسي، و أقرت كلها مبادئ توجه عملية التدبير هذه، على رأسها مبدأ مراعاة الظرفية المحلية ، و مبدأ رعاية الإيقاعات النفسية للمتمدرس.
فقد أشارت المذكرة الوزارية 128 حول جداول الحصص الأسبوعية الصادرة في 5 صفر 1413 ( 5 غشت 1992 ) ، إلى علة اختيارها للصيغة الثانية بـالاستجابة « لخصوصيات المحيط و ظروفه » . ثم تلتها المذكرة الوزارية رقم 12/98 ، حول " تكييف أوقات الدراسة وأيام العطل مع خصوصيات الوسط القروي " ، الصادرة في 18 ربيع الأول 1419 (13 يوليوز 1998 )، و هي المذكرة التي اعترفت بالإكراهات التي تعتور سبيل تحقيق الأهداف النوعية و الكمية المنتظرة من التعليم الأساسي ، و اقترحت كحل إجرائي يروم تجاوز هذه المعيقات « اعتماد مقاربة جديدة لإدماج المؤسسة القروية في محيطها الاجتماعي والبيئي وتكييفها مع خصوصيات السياق المحلي » ، و ذلك بـ « تكييف استعمالات الزمن وأيام العطل المدرسية مع ما تقتضيه خصوصيات المجال القروي  ... مع مراعاة فصول السنة والبنية التحتية للمؤسسات التعليمية والاستعمال الأمثل للموارد البشرية مع التقيد بالغلاف الزمني الإجمالي للحصص الدراسية المقررة ...  ».
ثم أعقبتها المذكرة الوزارية  رقم 805/99 ،  حول « تكييف أوقات الدراسة وأيام العطل مع خصوصيات الوسط القروي » ، الصادرة في 22 شتنبر 1999 . و التي أعلنت أن من أهدافها « تكييف أوقات الدراسة وأيام العطل مع خصوصيات الوسط القروي » و « دمج المؤسسة التعليمية في محيطها البيئي والاجتماعي »، و هي المذكرة التي نصت صراحة على ضرورة « إشراك كافة الفاعلين الإداريين والتربويين، في كافة العمليات المتعلقة بتكييف استعمالات الزمن وأيام العطل المدرسية مع خصوصيات المؤسسات التعليمية في الوسط القروي حسب كل منطقة أو جهة على ألا يقتصر ذلك على إدخال تعديلات على أوقات الدخول والخروج أو تقليص بعض الأحياز الزمنية فحسب ، بل ينبغي مراعاة عنصر المردودية وتحسين أداء هيئة التدريس ، والاستعمال الأمثل للإمكانات التي يوفرها تكييف التوقيت من حجرات دراسية و وسائل تعليمية وغيرها ».
ثم وردت المذكرة 2.2156 ، بتاريخ 4 شتنبر 2012 ، حول " إعداد استعمال الزمن وفق التوقيت اليومي " ، ففصلت في قضية التدبير الزمني بالحواضر، و تعمدت أن تفتح الباب في المجال القروي لاجتهادات مديري المؤسسات التعليمية ، و مجالس التدبير ، لكون هذه الجهات أقرب إلى التلميذ و أدرى بما يحقق مصلحته؛ و لم تقيد هذا الاجتهاد بغير احترام عدد الساعات الرسمية، و استحضار المبادئ العامة التي توجه عملية تدبير الزمن المدرسي، و على رأسها توزيع الغلاف الزمني وفق الإيقاعات الذهنية للمتعلمين و المتعلمات. و هذه المرونة مما يقتضيه بعد النظر، بل مما تفرضه طبائع الأشياء.
فهل نكون محتاجين في خاتمة تطوافنا في هذه النصوص القانونية إلى التأكيد على أن تكييف الزمن المدرسي ليس تجاوزا للقانون، و لا إفراغا له من محتواه، و إنما هو على النقيض من ذلك تماما : تجسيد لروح القانون، و تَبْيئة لنصوصه الجامدة مع الواقع المحلي المتغير؟؟ 
2 / البعد التربوي :  

إذا كانت الإدارة تهتم ــ في الدرجة الأولى ــ بالسير الطبيعي للمرفق العام، بشكل لا يخل بالقواعد القانونية المنظمة له، فإن المدرس ينظر إلى القضية من شقها التربوي قبل كل شيء.
و الاختلال الذي تخلقه الساعة الجديدة على سير العمل الصفي، و على أداء التلاميذ ليس بالشيء الذي نحتاج إلى بيانه، و إقامة الحجج عليه، لولا الحساسية الشديدة التي تتعامل بها النيابة الإقليمية مع هذا الموضوع. فإنه قد سبق لمؤسسات تعليمية عدة، أن قدمت مقترحاتها من خلال مجالس التدبير لتكييف الزمن المدرسي مع المتغير الجديد، بيد أن النيابة لم تكن تلقي إلى تلك المقترحات بالا، بل كانت تخندقها في إطار رفض مقتضيات المرسوم الوزاري الآنف الذكر؛ و هو الأمر الذي لا ينطق به حال و لا مقال.
إن التلميذ الذي ينام على الساعة القديمة، يضطر إلى القيام على منبه الساعة الجديدة، فيأتي إلى المدرسة و قد اقتـُطعت ساعة من وقت راحته. صحيح أن هذا المشكل تصنعه الأسرة التي لم تضبط ساعاتها على مرسوم رئيس الحكومة، و لكننا ــ نحن المدرسين ــ من يؤدي ثمنه.
و يمكن للإدارة، و هذا في مقدورها ، أن تجري إحصاء لحالات التأخر عن الفصل الدراسي في كل مؤسسات الإقليم، و بالخصوص تندرارة، لترى أن نسب التأخرات ترتفع بعد الأحد الأخير من شهر مارس بشكل سافر. و أتمنى أن تقتسم النيابة مع معلمات القسم الأول شيئا يسيرا من المعاناة التي يعشنها مع هذه الفئة من التلاميذ، و يساعدنهن على البحث عن الحلول الإجرائية لتجاوز مشكل حرمان قطاع عريض من حصة الرياضيات، أو حصة التعبير اللتين يستهل بهما في العادة اليوم الدراسي.
كما يمكن للسادة المفتشين ــ لو أنهم شهدوا لحظة دخول هؤلاء التلاميذ إلى الفصل ــ أن يلحظوا بيسر شديد أعين الأطفال و هي ما تزال تعيش لحظات الانتقال من النوم إلى اليقظة، التي يكون فيها كل جزء من التلميذ حاضرا إلا انتباهه.
قد لا يكون هذا سيرا على غير ما يقتضيه التكوين البيولوجي للطفل، لأن العادة قد تكفل تصحيح بعض هذا ، و لو بعد فوات كثير من الوقت. لكننا لا يمكن أن نقول هذا عن ساعات الذروة،  التي يُلزم الزمن المدرسي الجديد التلميذ على أن يعيش جزءا مهما منها بين جدران المدرسة، و هو الأمر الذي كانت الوزارة ــ و ما تزال تلح ــ على تجنبه. إن التلميذ مطالب بالرجوع إلى المدرسة و الشمس في كبد السماء، و هو زمن يصلح للنوم بلا شك، لكنه لا يصلح للدراسة؛ خصوصا في منطقة كمنطقتنا : حرها حران، و بردها بردان.
فما هو حجم الضرر الذي يلحق بالإدارة إذا كيفنا التوقيت المدرسي في إطار احترام الغلاف الزمني الرسمي، ليخدم مصلحة التلميذ، و المدرس، و المرفق العام ؟
مقترحات :

اقترحت مجالس التدبير في تندرارة أن تكون ساعة الدخول الصباحية هي التاسعة، و تكون ساعة الدخول المسائية الثالثة، فلا يظهر للساعة الجديدة على المدرسة أي أثر؛ بل إن بعض المقترحات اتجهت إلى أن تكون الفترة المسائية من الرابعة إلى السابعة بالتوقيت الجديد ، فتكون المدة الفاصلة بين فترتي الصباح و المساء ثلاث ساعات ، و هي فترة كافية ليقيل فيها الطفل ، و يسترجع ذهنه فيها صفاءه.
فهل ستظل النيابة مصرة على نظرتها المحنطة للمسألة ؟ و هل ستكتفي باتخاذ أقصر الطرق و اتهام الكاتب بأنه يسر حسوا في ارتغاء ؟
هذا ما لا أملك أن أجيب عليه، و قد يكون واحدا من أشياء جعلتني أعد الساعة الجديدة مبتدأ بلا خبر.

الأحد، 17 أبريل 2011

بين الرواية و الدعوة.

الرواية اليوم من أكثر الأجناس الأدبية انتشارا ، و استطاعت أن تخترق العالم العربي و تحتل مكانة متميزة في النسيج الأدبي، برغم ظهورها المتأخر فيه قياسا إلى الشعر الذي يعد ديوان العرب. فهي لم تظهر في الأدب العربي إلا في بدايات القرن الماضي.
و لسنا نريد أن نخوض في نقاش انتمائها إلى الأدب العربي بالأصالة، أو بالنقل، لأن الرأي يكاد يستقر على أن السرد و إن كان قد بدأ ببداية التواجد الإنساني إلا أن الرواية و القصة القصيرة و المسرحية بأشكالها التي استوت عليها اليوم هي فنون مستحدثة نتجت عن اللقاء العربي الغربي خلال عصر النهضة.
و ربما كان الانتماء الغربي لهذه الأجناس الأدبية هو الذي جعل بعض المتأدبين المسلمين ينظرون إليها بكثير من الريبة ، و يتأخرون كثيرا في القبول بها، أشكالا تعبيرية عن الواقع العربي.
و وجدنا بعض الدعاة يطربون للشعر، و ينفقون فيه الأوقات الطويلة، و لا يرون الرواية سوى مضيعة للوقت يجب على المرء أن ينبو بنفسه عنها، و قد يرفعون القصيدة الساقطة روحا و شكلا على قصة يؤرخ بها للأدب.
و حين أخذت تتابـع في المشهد الأدبي العربي الأعمــال الروائيـــة و القصصية التي تروج للأفكار الشاذة عن المجتمعات الإسلامية، و التي تدعو إلى الإلحـاد و التفسخ ، و تتحمس للفلسفــات الغربية من شيوعيـــة و براغماتية و ليبرالية ... أقول: حين ظهرت هذه الأعمال اكتفى هؤلاء الدعاة بالتنديد حينا ، و تحذير القراء حينا ثانيا، و في كل مرة كانــوا يكيلون للروايــة و القصة و المسرحيـة الشتائــم و اللعنات، و هم على يقين غير قابل للتزعزع أنهم يقومون بواجبهم حيال دينهم و أمتهم على الوجه الأمثل.
و لم تكن تنزل لعناتهم على الرواية و الروائيين إلا بردا و سلاما، بل كانت إشهارات مجانية عظيمة لهذه الأعمال، فحتى أولئك الذين لم يكونوا يجدون شيئا يشدهم نحوها، وجدوا في أنفسهم فضولا  لا يقاوم لقراءتها ، و الاطلاع على ما فيها عيانا. و من يعرف سحر هذه الأجناس يعي جيدا أنه ليس بينه و بين أن تسحبه الرواية إلى أعماقها إلا قراءة الصفحات الأولى، و يمكنه أيضا أن يعي مدى التأثير الذي تخلقه هذه الأجناس بلغتها الفنية الرائقة، و إيحائها الشفاف على شخصية القارئ و أفكاره و مواقفه.
و للذين لا يعرفون ذلك التأثير يكفي أن نذكرهم بأن متحف اللوفر قد استفاق  بعد صدور رواية رواية " شفرة دافنشي " لصاحبها داون براون على أفواج هائلة من الناس وفدت عليه و في يدها الرواية الشهيرة، لأن هذا المتحف كان من بين الفضاءات المكانية للرواية، بل أهم فضاءاتها، و قد نفق من هذه الرواية ستون مليون نسخة، و حديث الأرقام كاف للدلالة على مدى الانتشار، و قوة التأثير ، و لم تكن رواية داون براون نسيج وحدها في قوة التأثير و مدى الانتشار، فمثلها كانت رواية " ذهب مع الريح " و " بيتون بليس " ... و سواهما .
هذا التأثير بالمناسبة ليس منقصة في أولئك الخاضعين له، كما يحاول أن يصوره بعض الدعاة، و لكنه سحر الأشكال السردية، و بلاغة اللغة الإيحائية، و هو سحر لا يدافع... ألم يقل الرسول صلى الله عليه و سلم : إن من البيان لسحرا، و إن من الشعر لحكمة؟؟
إن الذي فطن إليه الرسول صلى الله عليه و سلم في بداية الصراع  بين معسكر الإسلام و معسكر الشرك، هو ما كان ينبغي أن يفطن إليه هؤلاء الدعاة الغيورون على دينهم و أبناء أمتهم. لقد وجه رسول الله أصحابه منذ البداية إلى أن ينصروا الله بالكلمة كما ينصرونه بالسيف، فتصدى الشعراء المسلمون لأهاجي المشركين و طعونهم، و ردوا عليهم بمثل أسلوبهم حتى ألجِؤوهم إلى الصمت و الانزواء.
إن ازدراء بعض المتأدبين المسلمين للاشكال السردية المستحدثة و ازورارهم عنها، فتح الباب على مصراعيه للمنتسبين إلى المذاهب الفلسفية المعادية للإسلام، من أجل أن ينتقصوا قيمه ، و يقبحوا مبادئه، و يجرحوا رجاله، و يزعزعوا ما تلقته الأمة الإسلامية بالقبول و الإذعان. و قد كان هؤلاء واعين تمام الوعي أن روايات سارتر أقدر على شرح فلسفته الوجودية الإلحادية من كتبه الفلسفية نفسها.
و لا تثمر الردود العلمية و المقالات النقدية التي ترجع الأمور إلى نصابها، و تصحح المفاهيم التي تزرعها الكتابات العلمانية و الليبرالية و سواها من عقائد المستغربين، فليس كل الذين يقرؤون الرواية يقبلون على المقالة، بل إن الرواية قد تتحول إلى سيناريو سينمائي أو تلفزي فتقتحم على الأسرة المسلمة جدرانها الحصينة، و تفرض عليها من غير أن تعي تغييرات في المسلك و التفكير مع الوقت لا يمكن للدراسات الوازنة أن تمحوه. و الأخطر أن الدراسات إذا خاطبت العقل ، فإن الروايات ، و الفنون عموما، تخاطب القلب، و إذا توجه تأثير الدراسة إلى الوعي، فإن تأثير الرواية يتوجه إلى اللاوعي. و علم النفس الحديث يقدم بحوثا كثيرة تجمع على ممانعة الوعي للأفكار الجديدة، في الوقت الذي يتلقى العقل الباطن عملية الإيحاء في صمت و إذعان.
و إذا كان التصدي لهذه الكتابات الروائية بدراسات وازنة ، كما أسلفت غير قادر على النهوض بأهدافه، فإن الهروب من الرواية و تخويف النشء منها، ليس بالأمر النافع كذلك .
على المؤسسات التربوية في المجتمع الإسلامي بدءا من الأسرة و انتهاء بالجامعة، أن تعمل على تشكيل ثقافة فنية لدى النشء تيسر له التعامل مع الأشكال التعبيرية المستحدثة، فيتعلم كيف يقرأ العمل الروائي، و يفسره، بفهم و وعي يزدادان مع النضج و تطور الفكر عمقا، و يصل بهما إلى موقف الكاتب ، و أبعاد الرواية، و يستطيع أن ينقل شفرة الرسالة الروائية من قناة اللاوعي إلى قناة الوعي، و يحلها اتكاء على مبادئه الفكرية و العقدية، فيعيد بذلك إنتاج الرواية بما يوافق قناعاته، و يتماهى معها.
و إننا لنذكر بشكر كبير فضل أساتذتنا، و الدراسات النقدية التي كانوا يوجهوننا إلى قراءتها بغية تشكيل هذه الثقافة الروائية، فكنا نتعلم الوقوف عند دلالات الأسماء، و عند إحالات الرموز الموظفة في النص، و نتابع الصراع الدرامي في الرواية، و تنامي الفكرة، حتى يبرز موقف الكاتب أمامنا واضحا صقيلا، و قد عري من كل غلالاته الإيحائية. و كنا نجد لذة، لا تعادلها لذة، و نحن نتابع البناء الدرامي للرواية، و تطور الحبكة، فيبدو أمامنا مسار الرواية في صعوده و نزوله لاحبا : هذه مرحلة الهدوء، و تلك مرحلة الأزمة، و هنا يبحث الكاتب عن حل للعقدة ليعود إلى مرحلة الهدوء من جديد، و هنا ينتصر الموقف الذي يروج له الكاتب... كنا نتابع منهجه، و خطواته حتى لكأننا نكتب الرواية أو القصة معه.
لم تكن هذه المعارف البسيطة التي تقدم لنا لتجعل منا نقادا، و لكنها كانت تجعلنا مشاريع نقاد، إن صح لي التعبير، و كانت تؤهلنا لأن نفك رموز الرواية و نفهمها، و إذا تحقق هذا الهدف عند الطالب، فإنه يصبح محصنا قادرا على تلقي الرواية العلمانية ، مثلا، بإيجابية كبيرة.
ما من مناص لنا، و للداعية فينا على وجه الخصوص، أن يدخل غمار التجربة الإبداعية، و أن يشتغل على تشكيل ثقافية فنية معاصرة، يستطيع من خلالها أن يدخل حلبات ظلت لزمن حكرا على المذاهب الغربية الدخيلة على الفكر الإسلامي. و إن في الدعاة، و حملة الأقلام، من فتح للإسلام بابا يلج منه إلى عالم الرواية و القصة و المسرحية، فيقدم تصوره للإنسان و الحياة و الكون، و يأسو بكفه الحنون جراح الأمة و مآسيها.

الجمعة، 8 أبريل 2011

النقد الأدبي في زمن التطاول

لا أحد يقبل أن يتطفل على الطب غير أهله، أو أن يتصدر للفتيا سوى المجتهدين من العلماء، و ما يقال عن هذين العلمين، يقال عن غيرهما من العلوم البحتة و الدراسات الإنسانية؛ فتلك تخصصات  تتطلب الأهلية العلمية، و تحصيل الـزاد المعـرفي اللازم لفهمها الفهـم القـادر المؤهل لإبداء الرأي و إصدار الحكــم. و هذا منطق الأشياء الذي لا يحتاج إلى إقامة البرهان على صدقيته، فما يمكن أن ينتج عن التدخل غير المؤهل علميا من نتائج سلبية باد غير خاف.
بيد أننــا نجـد كثيـرا من المثقفين لا يتحـرجون مـن التصـدي للنقـد، و قراءة النص الأدبي، و الحكم عليه، و على صاحبه، بدون إلمامة و لو يسيرة بطبيعة العمل الفني، و أصوله ، و آليات الاشتغال عليه... فعندهم يكفي أن يقرأ المرء الروايـــة، مثــلا، قراءة عابـرة سريعة ليفهم النص و يصدر حكمه النقــدي عليه، و المؤسف أن النقد عند أكثر هؤلاء يتجاوز العمل الفني إلى صاحبه، و من ثم ينجرون إلى الأحكام العامة الفضفاضة التي فرغ منها النقد و تجاوزها منذ أصبح دراسة مستوية لها أصولها و مناهجها.
لا شك أن من شروط نجاح العمل الفني أن يكون مفتوحا، أي قادرا على تقديم نفسه إلى المتلقي، من خلال غلالة الإيحاء الشفافة، و كلما كان العمل أقرب إلى القارئ ازدادت قوته، و ارتفعت قيمته... و بكلمة أخرى: يجب أن يمكن العمل الفني المتلقي ــ دون لجوء إلى المباشرة القادحة ــ من فهم دلالاته، و استيعاب الرسالة المتضمنة بين السطور، و خلف الصور و المشاهد.
لكن شفافية العمل الإبداعي لا تعني أن النص مبتذل إلى الدرجة التي لا يحتاج فهمه فيها إلى إعمال فكر، أو اجتهاد في ملاحقة المعاني، و استكناهها، بكشف غلالة الإيحاء الرقيقة الشفافة التي يسدلها الأديب على نصه. و عملية الكشف هذه لن تتأتى لمن لا حظ له في فن النقد، و لا لمن لا يقرأ في هذا الفن قليلا أو كثيرا.
و ربما لم نكن في حاجة إلى مثل هذا الإيضاح لأنه من المسلمات في حقيقة الأمر، لولا أن رأينا تطفل الكثير من المثقفين و تطاولهم بإصدار أحكام عامة على النص، أو على صاحبه في الغالب، أحكام غير مؤسسة يرفضها النقد و يدينها النقاد.
و الأفظع أنك ترى هؤلاء، بعضهم على الأقل، لا يقرؤون من النص إلا طرفا، و لا تستوقفهم غير كلمة هنا، أو هناك، و هم يتصفحون العمل تصفح من لا رغبة له في القراءة. و بعضهم لا يجد في نفسه اقتناعا بجدوى العمل الفني، و لا يراه سوى ترف فكري، لتزجية الوقت، و تسلية النفس بعد عناء.
و هذا وضع خطير ينبغي الوقوف عنده، و معالجته قبل الاستفحال. و حينما أقــول: " إنه وضع خطير "، يمر أمام بصـري شريــط طويـل طويل من الوقــائـع و الأحداث و المعارك التي شهدها الأدب العربي المعاصر. فالروايات التي منعت بسب قراءة ناقصة أو شاذة فوق أن تحصر، و المحاكم التي عقدت للفن في غير ما بلد عربي، من خلال مؤسسات أو أفراد، لا تقف عند حد، خصوصا تحت يافطة الإلحاد و الكفر، أو يافطة العري و الخلاعة.
و كثير من تلك المحاكمات، ، ثبت بعد إجالة النظر فيها من خلال اللجان العلمية التي تشكلها بعض المؤسسات في الوطن العربي قبل إصدار حكمها على العمل بالإدانة أو التبرئة ، أقول: ثبت أنها محض افتراء، و أنها بعيدة عن المجال القرائي للنص ، و أعني بالمجال القرائي تلك القراءات الممكنة التي  يحتملها النص دون أن تثقله التأويلات الفجة أو الافتراضات البعيدة، و قد تكون هذه القراءات، بقياس بعضها إلى بعض، مختلفة اختلافا بينا، لكنها تؤثث لرؤية فنية تتسم بالغنى، و تفيض بالدلالات التي تؤشر على خصوبة النص الإبداعي.
هذه اليومية لا تحاول أن تجد حلا لهذه المشكلة، و إنما تعنى بإثارتها فحسب، لأن الحل يحتاج إلى تغيير قناعات هؤلاء النقاد الجدد، و هؤلاء لا أحسب أنهم سيقرؤون مثل هذا الكلام، و إن قرؤوه فلن يروا أنفسهم معنيين به، لأنهم بكلمة واحدة " نقاد " لا يحتاجون لأجل إثبات هذه الصفة إلى اعتراف من أحد.
و لكني أشير إلى نقط أرى توجيه الاهتمام إليها أمرا يقتضيه المقام. و ربما كانت محطات على طريق العلاج:
1 / ضرورة تصحيح النظرة إلى الرواية، و القصة، و المسرحية ... و ذلك بإخراجها من صنافة " منتجات الترف الفكري "، و الاعتراف بأهميتها و دورها الوازن في توجيه المجتمعات و تغييرها إن سلبا أو إيجابا.
2 / الاطلاع على كتب النقد، بغية تشكيل ثقافة نقدية لا تنظر إلى العمل الفني لكشف عيوبه، بل لفهمه و تفسيره ، و تجلية وجوه الجمال فيه، و لا تعنى بإصدار الأحكام القيمية على العمل إلا من باب تتويج القراءة، و تحرص على الفصل بين العمل و صاحبه ، و لا تلجأ إلى هذا الربط إلا بغية دراسة ظروف إنتاج النص الخارجية، لمن يجيز مثل هذه الدراسة ؛ أما أن ينعكس حكم القيمة على الكاتب، فهذا ما لا يقبل بحال، لأننا حين نروم الحكم على أديب أو مفكر ــ لو احتجنا إلى مثل هذا الحكم ـــ نحتاج إلى دراسة آثار الكاتب كلها، و لا  يمكن أن نشكل هذا الحكم بالاستناد إلى عمل واحد، فذلك مخالف للمنهج العلمي، بعيد عن روح النقد.
3 / استشعار خطورة الحكم على الأشخاص و الأعمال، من الناحية الشرعية، فالناقد قاض يجب أن يفصل في القضايا بناء على فهم عميق و شامل، لا استنادا إلى معطيات و حيثيات ناقصة، و أي تقصير في تحقيق هذا الفهم يجعله أحد قاضيين في النار. و تزداد هذه الخطورة حين ترى آثارها النفسية و الاجتماعية على الكاتب الذي " جرح " و سجل تحت خانة المقدوح فيه بناء على حكم ضال لشخص لا علاقة له بالنقد، و لا صلة له بالإبداع.
4 / استشعار خطورته على الأمة و تراثها، فالأديب و المفكر و العالم هم صناع حضارتها، و القدح في هذه الرموز بغير وجه حق، ضرب لتراثنا الإنساني الخالد. و لقد حزنت، حينما قرأت لناقدٍ نكرةٍ كلاما في تجريح عباس محمود العقاد، الذي لا ينكر منصف فضله على الأدب، أو مواقفه في الدفاع عن الإسلام ... حزنت كمــا أحزن كلمـــا وقفت على نقد لاذع مقيت غير مؤسس لرمز من هــذه الرموز. و لائحة رموزنا المعتدى عليها طويلة طويلة، و ما الشيخ القرضاوي و الدكتور محمد عمارة ـــ حفظهما الله ـــ أو الشيخان الألباني و الغزالي ـــ رحمهما الله ـــ إلا نماذج لمثل هذا التطاول القبيح على رموز الأمة، و تجسيد لهذا الداء الخبيث.
5 /  استثمار الإمكانات التي يوفرها الأدب عموما ، و الفنون المستحدثة كالرواية و القصة و المسرحية و السيناريو ...، و تفجير طاقاتها الإبداعية، لعلاج قضايانا المعاصرة. و لنا في رسول الله صلى الله عليه و سلم الأسوة الحسنة، فقد وظف الشعر في معارك الإسلام لاقتناعه بجدوى الكلمة و قوة العبارة ؛ و قد صدقت ما ذهب إليه سيدنا رسول الله الوقائعُ المادية الملموسة التي سجلت انتصار الأنصار في حفظ كرامة المسلمين، و صون أعراضهم، و اندحار الشرك و فلوله، حتى أصبح هذا الشاعر أو ذاك، من الكفار، يأتي إلى الرسول مستجيرا شاكيا طالبا أن يكف حسان عن هجوه.
و قـد تكون لي وقفة، بحول الله، في يوميـات أخـرى عنـد وظيفة الفـن ودوره في علاج مشاكل المجتمع المعاصر، و ما قد يثيره الموضوع من قضايـا تحتاج إلى التأمل و النقاش.














الأربعاء، 6 أبريل 2011

خطبة الجمعة : حديث في الشكل

خطبة الجمعة، لا غرو، تلعب دورا عظيمــــــا في ترقية المجتمع الإسلامي، بتوعيته و توسيع مداركه، و ربطه إلى دينه و مجتمعه.
و الخطبة يجب أن تستجيب لحاجيات عصرها، حتى تستطيع أن تؤدي دورها الإشعــــــاعي على الوجه الأمثل، و إن هي تخلفت عن ذلك، فستفقد واحدا من أهم معانيها، و مبررات وجودها.
هذه الاستجابة وقف على أشياء يمكن أن نسرد منها :
1/ فهم الخطباء لطبيعة الخطبة و الشكل الأمثل  الذي عليها أن تتخذه.
2/ قدرة الخطيب على رصد المتغيرات الوقتية، و  على التعاطي معها وفق سلم أولويات مضبوط بدقة.
3/ ترقية النظرة إليها، من محض شعيرة تعبدية، تبرأ ذمة المكلف بأدائها ، و وضعها في محلها الذي اختاره الشارع لها، فهي منبر علمي أسبوعي، يرفع الناس من ضيق الجهل ، إلى سعة المعرفة.
نرى مع الأسف بعض الخطب بعيدة عن معالجة واقع الأمة، تغرق في مواضيع تكاد لا تغادرها، و قد تكون هذه المواضيع من ألفبائيات الفقه التي تتجاوزها معرفة المستمع للخطبة، ما يبعث في نفسه الملل، و يزرع القنوط. صحيح أن هناك أميين يحتاجون إلى معرفة هذه القضايا الضرورية في دينهم، لكن هل تخاطب الخطبة هذه الشريحة وحدهــــا ؟ و كيف ينظر في فقه الأولويات إلى هذه الشريحة حين تكون غيرها من الشرائح تشكل الطائفة العظمى ؟ أتكون الخطبة حين يرتفع مستواها رافعة للرقي بالمستوى العلمي للمتلقي أم تكون صيحة ضائعة في واد سحيق؟ و إلى متى يظل يحكمنا المعيار الذي يختاره بعض الخطباء : معيار تدني مستوى المتلقي ، و كيف نطمئن إلى صلاحيته؛ أو بكلمة أخرى : ما المؤشرات التي يقيس  بها الخطيب درجة نضج المتلقي ، و هل نركن في ذلك إلى تقديرات تتوسل بمنهج علمي، و تصدر عن هيئات أكاديمية، أم يكفي في ذلك التقديرات الذوقية التي تصدر عن الخطيب؟ و يستتبع الاحتمال الأخير، إذا أخذنا به سؤال يفرضه المقام ، هو : ما مدى صحة التقديرات الفردية في الحكم على درجة نضج المتلقي ؟
إن الأمر ليس بالسهولة التي قد يبدو عليها، فحين تتعدد الطبقات تعددا يتعذر معه تحقيق معادلـة إرضاء الحاجات المعرفية للأطراف جميعا ، فإن الأمر يقتضي لا محالـــة ، و برأيي على الأقل ، الميل إلى شريحة معينة ، ما يعني أننا لا بد أن نضحي بطائفـة أخرى أو طوائف ..
صحيح جدا، أن الخطيب الألمعي إذا استطاع أن يحقق هذه المعادلة الصعبة، فإن ذلك خير ما يطلب، لكن من الصحيح أيضا، و هذا ما يجدر بالخطباء الاعتناء بفهمه، أن النزول بالخطبة لتلامس ذلك الأمي الذي لا يعرف من أمور الدين شيئا، ليس تحقيقا للمعادلة، لأن الفئات الأخرى التي لا تجد حاجاتها في الخطبة، لا شك تكون خارجها، غير معنية بما تطرحه، غير قادرة في كثير من الأحيان على متابعة الخطيب دون أن تسهو أو تخرج عنايتها ، بشكل غير إرادي، عن جو الخطبة.
إننا كلما عبرنا لإخوتنا الخطباء من ضيقنا بمثل هذه الخطب المسفة، اعتلوا بأن الأمة أمية تحتاج إلى فهم شعائر الدين أولا.
و هنا نقول : الخطبة المنبرية ليست وحدها، وسيلة التوعية في المسجد، و المسلم الأمي الذي لا يلم بما ينبغي معرفته من الدين بالضرورة، فإن فائدة  خطبة الجمعة بالنسبة إليه محدودة ، لأنه في حاجـة إلى تثقيف و مصاحبة يوميين ، و يحتاج إلى صحبــــة المسجد و رواده، ليتمكن من الارتقاء بفهمه، أما الخطبة الأسبوعية فلن تسد له حاجة..
ثم إن كثيرا من هؤلاء الأميين الذين تنزل الخطبة إلى درجة الإسفاف لتلبي حاجاتهم كثيرا ما تجدهم في واد، و الخطبة في واد، لأنهم حتى مع ذلك التيسير لا يتفاعلون مع الخطبة، بل إن بعضهم، لا يملك إلا أن ينخرط في نومة هانئة متكئا على سارية المسجد، نومة هانئة لا يعكر صفوها عليه  إلا ضربات الخطيب بعصاه فوق المنبر. فما ترانا إذا ربحنا حين نزلنا بالخطبة فلم تلامس حاجات المتعلم، و لم تعن الأمي، فتسلل الملل إلى صدريهما معا...
صفوة القول : إن المجتمعات الإسلامية يقاس درجة رقيها اليوم، كما قيست أمس، بنجاح الخطبة ، و لذلك وجب إعطاؤها ما تستحق من عناية، و إيلاؤها ما هي جديرة به من اجتهاد في حل قضاياها المستحدثة، و ما القضية التي طرحتها هذه اليومية إلا واحدة من كثيرات.