الرواية اليوم من أكثر الأجناس الأدبية انتشارا ، و استطاعت أن تخترق العالم العربي و تحتل مكانة متميزة في النسيج الأدبي، برغم ظهورها المتأخر فيه قياسا إلى الشعر الذي يعد ديوان العرب. فهي لم تظهر في الأدب العربي إلا في بدايات القرن الماضي.
و لسنا نريد أن نخوض في نقاش انتمائها إلى الأدب العربي بالأصالة، أو بالنقل، لأن الرأي يكاد يستقر على أن السرد و إن كان قد بدأ ببداية التواجد الإنساني إلا أن الرواية و القصة القصيرة و المسرحية بأشكالها التي استوت عليها اليوم هي فنون مستحدثة نتجت عن اللقاء العربي الغربي خلال عصر النهضة.
و ربما كان الانتماء الغربي لهذه الأجناس الأدبية هو الذي جعل بعض المتأدبين المسلمين ينظرون إليها بكثير من الريبة ، و يتأخرون كثيرا في القبول بها، أشكالا تعبيرية عن الواقع العربي.
و وجدنا بعض الدعاة يطربون للشعر، و ينفقون فيه الأوقات الطويلة، و لا يرون الرواية سوى مضيعة للوقت يجب على المرء أن ينبو بنفسه عنها، و قد يرفعون القصيدة الساقطة روحا و شكلا على قصة يؤرخ بها للأدب.
و حين أخذت تتابـع في المشهد الأدبي العربي الأعمــال الروائيـــة و القصصية التي تروج للأفكار الشاذة عن المجتمعات الإسلامية، و التي تدعو إلى الإلحـاد و التفسخ ، و تتحمس للفلسفــات الغربية من شيوعيـــة و براغماتية و ليبرالية ... أقول: حين ظهرت هذه الأعمال اكتفى هؤلاء الدعاة بالتنديد حينا ، و تحذير القراء حينا ثانيا، و في كل مرة كانــوا يكيلون للروايــة و القصة و المسرحيـة الشتائــم و اللعنات، و هم على يقين غير قابل للتزعزع أنهم يقومون بواجبهم حيال دينهم و أمتهم على الوجه الأمثل.
و لم تكن تنزل لعناتهم على الرواية و الروائيين إلا بردا و سلاما، بل كانت إشهارات مجانية عظيمة لهذه الأعمال، فحتى أولئك الذين لم يكونوا يجدون شيئا يشدهم نحوها، وجدوا في أنفسهم فضولا لا يقاوم لقراءتها ، و الاطلاع على ما فيها عيانا. و من يعرف سحر هذه الأجناس يعي جيدا أنه ليس بينه و بين أن تسحبه الرواية إلى أعماقها إلا قراءة الصفحات الأولى، و يمكنه أيضا أن يعي مدى التأثير الذي تخلقه هذه الأجناس بلغتها الفنية الرائقة، و إيحائها الشفاف على شخصية القارئ و أفكاره و مواقفه.
و للذين لا يعرفون ذلك التأثير يكفي أن نذكرهم بأن متحف اللوفر قد استفاق بعد صدور رواية رواية " شفرة دافنشي " لصاحبها داون براون على أفواج هائلة من الناس وفدت عليه و في يدها الرواية الشهيرة، لأن هذا المتحف كان من بين الفضاءات المكانية للرواية، بل أهم فضاءاتها، و قد نفق من هذه الرواية ستون مليون نسخة، و حديث الأرقام كاف للدلالة على مدى الانتشار، و قوة التأثير ، و لم تكن رواية داون براون نسيج وحدها في قوة التأثير و مدى الانتشار، فمثلها كانت رواية " ذهب مع الريح " و " بيتون بليس " ... و سواهما .
هذا التأثير بالمناسبة ليس منقصة في أولئك الخاضعين له، كما يحاول أن يصوره بعض الدعاة، و لكنه سحر الأشكال السردية، و بلاغة اللغة الإيحائية، و هو سحر لا يدافع... ألم يقل الرسول صلى الله عليه و سلم : إن من البيان لسحرا، و إن من الشعر لحكمة؟؟
إن الذي فطن إليه الرسول صلى الله عليه و سلم في بداية الصراع بين معسكر الإسلام و معسكر الشرك، هو ما كان ينبغي أن يفطن إليه هؤلاء الدعاة الغيورون على دينهم و أبناء أمتهم. لقد وجه رسول الله أصحابه منذ البداية إلى أن ينصروا الله بالكلمة كما ينصرونه بالسيف، فتصدى الشعراء المسلمون لأهاجي المشركين و طعونهم، و ردوا عليهم بمثل أسلوبهم حتى ألجِؤوهم إلى الصمت و الانزواء.
إن ازدراء بعض المتأدبين المسلمين للاشكال السردية المستحدثة و ازورارهم عنها، فتح الباب على مصراعيه للمنتسبين إلى المذاهب الفلسفية المعادية للإسلام، من أجل أن ينتقصوا قيمه ، و يقبحوا مبادئه، و يجرحوا رجاله، و يزعزعوا ما تلقته الأمة الإسلامية بالقبول و الإذعان. و قد كان هؤلاء واعين تمام الوعي أن روايات سارتر أقدر على شرح فلسفته الوجودية الإلحادية من كتبه الفلسفية نفسها.
و لا تثمر الردود العلمية و المقالات النقدية التي ترجع الأمور إلى نصابها، و تصحح المفاهيم التي تزرعها الكتابات العلمانية و الليبرالية و سواها من عقائد المستغربين، فليس كل الذين يقرؤون الرواية يقبلون على المقالة، بل إن الرواية قد تتحول إلى سيناريو سينمائي أو تلفزي فتقتحم على الأسرة المسلمة جدرانها الحصينة، و تفرض عليها من غير أن تعي تغييرات في المسلك و التفكير مع الوقت لا يمكن للدراسات الوازنة أن تمحوه. و الأخطر أن الدراسات إذا خاطبت العقل ، فإن الروايات ، و الفنون عموما، تخاطب القلب، و إذا توجه تأثير الدراسة إلى الوعي، فإن تأثير الرواية يتوجه إلى اللاوعي. و علم النفس الحديث يقدم بحوثا كثيرة تجمع على ممانعة الوعي للأفكار الجديدة، في الوقت الذي يتلقى العقل الباطن عملية الإيحاء في صمت و إذعان.
و إذا كان التصدي لهذه الكتابات الروائية بدراسات وازنة ، كما أسلفت غير قادر على النهوض بأهدافه، فإن الهروب من الرواية و تخويف النشء منها، ليس بالأمر النافع كذلك .
على المؤسسات التربوية في المجتمع الإسلامي بدءا من الأسرة و انتهاء بالجامعة، أن تعمل على تشكيل ثقافة فنية لدى النشء تيسر له التعامل مع الأشكال التعبيرية المستحدثة، فيتعلم كيف يقرأ العمل الروائي، و يفسره، بفهم و وعي يزدادان مع النضج و تطور الفكر عمقا، و يصل بهما إلى موقف الكاتب ، و أبعاد الرواية، و يستطيع أن ينقل شفرة الرسالة الروائية من قناة اللاوعي إلى قناة الوعي، و يحلها اتكاء على مبادئه الفكرية و العقدية، فيعيد بذلك إنتاج الرواية بما يوافق قناعاته، و يتماهى معها.
و إننا لنذكر بشكر كبير فضل أساتذتنا، و الدراسات النقدية التي كانوا يوجهوننا إلى قراءتها بغية تشكيل هذه الثقافة الروائية، فكنا نتعلم الوقوف عند دلالات الأسماء، و عند إحالات الرموز الموظفة في النص، و نتابع الصراع الدرامي في الرواية، و تنامي الفكرة، حتى يبرز موقف الكاتب أمامنا واضحا صقيلا، و قد عري من كل غلالاته الإيحائية. و كنا نجد لذة، لا تعادلها لذة، و نحن نتابع البناء الدرامي للرواية، و تطور الحبكة، فيبدو أمامنا مسار الرواية في صعوده و نزوله لاحبا : هذه مرحلة الهدوء، و تلك مرحلة الأزمة، و هنا يبحث الكاتب عن حل للعقدة ليعود إلى مرحلة الهدوء من جديد، و هنا ينتصر الموقف الذي يروج له الكاتب... كنا نتابع منهجه، و خطواته حتى لكأننا نكتب الرواية أو القصة معه.
لم تكن هذه المعارف البسيطة التي تقدم لنا لتجعل منا نقادا، و لكنها كانت تجعلنا مشاريع نقاد، إن صح لي التعبير، و كانت تؤهلنا لأن نفك رموز الرواية و نفهمها، و إذا تحقق هذا الهدف عند الطالب، فإنه يصبح محصنا قادرا على تلقي الرواية العلمانية ، مثلا، بإيجابية كبيرة.
ما من مناص لنا، و للداعية فينا على وجه الخصوص، أن يدخل غمار التجربة الإبداعية، و أن يشتغل على تشكيل ثقافية فنية معاصرة، يستطيع من خلالها أن يدخل حلبات ظلت لزمن حكرا على المذاهب الغربية الدخيلة على الفكر الإسلامي. و إن في الدعاة، و حملة الأقلام، من فتح للإسلام بابا يلج منه إلى عالم الرواية و القصة و المسرحية، فيقدم تصوره للإنسان و الحياة و الكون، و يأسو بكفه الحنون جراح الأمة و مآسيها.