الأربعاء، 6 أبريل 2011

خطبة الجمعة : حديث في الشكل

خطبة الجمعة، لا غرو، تلعب دورا عظيمــــــا في ترقية المجتمع الإسلامي، بتوعيته و توسيع مداركه، و ربطه إلى دينه و مجتمعه.
و الخطبة يجب أن تستجيب لحاجيات عصرها، حتى تستطيع أن تؤدي دورها الإشعــــــاعي على الوجه الأمثل، و إن هي تخلفت عن ذلك، فستفقد واحدا من أهم معانيها، و مبررات وجودها.
هذه الاستجابة وقف على أشياء يمكن أن نسرد منها :
1/ فهم الخطباء لطبيعة الخطبة و الشكل الأمثل  الذي عليها أن تتخذه.
2/ قدرة الخطيب على رصد المتغيرات الوقتية، و  على التعاطي معها وفق سلم أولويات مضبوط بدقة.
3/ ترقية النظرة إليها، من محض شعيرة تعبدية، تبرأ ذمة المكلف بأدائها ، و وضعها في محلها الذي اختاره الشارع لها، فهي منبر علمي أسبوعي، يرفع الناس من ضيق الجهل ، إلى سعة المعرفة.
نرى مع الأسف بعض الخطب بعيدة عن معالجة واقع الأمة، تغرق في مواضيع تكاد لا تغادرها، و قد تكون هذه المواضيع من ألفبائيات الفقه التي تتجاوزها معرفة المستمع للخطبة، ما يبعث في نفسه الملل، و يزرع القنوط. صحيح أن هناك أميين يحتاجون إلى معرفة هذه القضايا الضرورية في دينهم، لكن هل تخاطب الخطبة هذه الشريحة وحدهــــا ؟ و كيف ينظر في فقه الأولويات إلى هذه الشريحة حين تكون غيرها من الشرائح تشكل الطائفة العظمى ؟ أتكون الخطبة حين يرتفع مستواها رافعة للرقي بالمستوى العلمي للمتلقي أم تكون صيحة ضائعة في واد سحيق؟ و إلى متى يظل يحكمنا المعيار الذي يختاره بعض الخطباء : معيار تدني مستوى المتلقي ، و كيف نطمئن إلى صلاحيته؛ أو بكلمة أخرى : ما المؤشرات التي يقيس  بها الخطيب درجة نضج المتلقي ، و هل نركن في ذلك إلى تقديرات تتوسل بمنهج علمي، و تصدر عن هيئات أكاديمية، أم يكفي في ذلك التقديرات الذوقية التي تصدر عن الخطيب؟ و يستتبع الاحتمال الأخير، إذا أخذنا به سؤال يفرضه المقام ، هو : ما مدى صحة التقديرات الفردية في الحكم على درجة نضج المتلقي ؟
إن الأمر ليس بالسهولة التي قد يبدو عليها، فحين تتعدد الطبقات تعددا يتعذر معه تحقيق معادلـة إرضاء الحاجات المعرفية للأطراف جميعا ، فإن الأمر يقتضي لا محالـــة ، و برأيي على الأقل ، الميل إلى شريحة معينة ، ما يعني أننا لا بد أن نضحي بطائفـة أخرى أو طوائف ..
صحيح جدا، أن الخطيب الألمعي إذا استطاع أن يحقق هذه المعادلة الصعبة، فإن ذلك خير ما يطلب، لكن من الصحيح أيضا، و هذا ما يجدر بالخطباء الاعتناء بفهمه، أن النزول بالخطبة لتلامس ذلك الأمي الذي لا يعرف من أمور الدين شيئا، ليس تحقيقا للمعادلة، لأن الفئات الأخرى التي لا تجد حاجاتها في الخطبة، لا شك تكون خارجها، غير معنية بما تطرحه، غير قادرة في كثير من الأحيان على متابعة الخطيب دون أن تسهو أو تخرج عنايتها ، بشكل غير إرادي، عن جو الخطبة.
إننا كلما عبرنا لإخوتنا الخطباء من ضيقنا بمثل هذه الخطب المسفة، اعتلوا بأن الأمة أمية تحتاج إلى فهم شعائر الدين أولا.
و هنا نقول : الخطبة المنبرية ليست وحدها، وسيلة التوعية في المسجد، و المسلم الأمي الذي لا يلم بما ينبغي معرفته من الدين بالضرورة، فإن فائدة  خطبة الجمعة بالنسبة إليه محدودة ، لأنه في حاجـة إلى تثقيف و مصاحبة يوميين ، و يحتاج إلى صحبــــة المسجد و رواده، ليتمكن من الارتقاء بفهمه، أما الخطبة الأسبوعية فلن تسد له حاجة..
ثم إن كثيرا من هؤلاء الأميين الذين تنزل الخطبة إلى درجة الإسفاف لتلبي حاجاتهم كثيرا ما تجدهم في واد، و الخطبة في واد، لأنهم حتى مع ذلك التيسير لا يتفاعلون مع الخطبة، بل إن بعضهم، لا يملك إلا أن ينخرط في نومة هانئة متكئا على سارية المسجد، نومة هانئة لا يعكر صفوها عليه  إلا ضربات الخطيب بعصاه فوق المنبر. فما ترانا إذا ربحنا حين نزلنا بالخطبة فلم تلامس حاجات المتعلم، و لم تعن الأمي، فتسلل الملل إلى صدريهما معا...
صفوة القول : إن المجتمعات الإسلامية يقاس درجة رقيها اليوم، كما قيست أمس، بنجاح الخطبة ، و لذلك وجب إعطاؤها ما تستحق من عناية، و إيلاؤها ما هي جديرة به من اجتهاد في حل قضاياها المستحدثة، و ما القضية التي طرحتها هذه اليومية إلا واحدة من كثيرات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق